السيد هاشم البحراني

366

حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار ( ع )

فقال عليه السلام : يا أخا اليهود إن اللّه عزّ وجل امتحنني بعد وفاة نبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي بمنّه ونعمته صبورا . أمّا أوّلهن يا أخا اليهود فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامّة أحد آنس به ، أو اعتمد عليه ، أو استنيم « 1 » إليه ، أو أتقرّب به غير رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، هو ربّاني صغيرا ، وبوّأني كبيرا ، وكفاني العيلة ، وجبرني من اليتم ، وأغناني عن الطلب ، ووقاني المكسب ، وعال « 2 » لي النفس والولد والأهل ، هذا في تصاريف أمر الدنيا ، مع ما خصّني به من الدّرجات الّتي قادتني إلى معالي الحظوة « 3 » عند اللّه عزّ وجل ، فنزل بي من وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة « 4 » كانت تنهض به . فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوى على حمل فادح « 5 » ما نزل به ، قد أذهب الجزع صبره ، وأذهل عقله ، وحال بينه وبين الفهم ، والإفهام ، والقول ، والاستماع ، وسائر الناس من غير بني عبد المطّلب بين معزّ يأمر بالصبر ، وبين مساعد باك لبكائهم ، جازع لجزعهم ، وحملت نفسي على الصّبر عند وفاته ، بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به : من تجهيزه ، وتغسيله وتحنيطه وتكفينه ، والصلاة عليه ، ووضعه في حفرته ، وجمع كتاب اللّه وعهده إلى خلقه ، لا يشغلني عن ذلك بادر « 6 » دمعة ، ولا هائج زفرة ، ولا لاذع حرقة ، ولا جزيل مصيبة ، حتى أدّيت في ذلك الحق الواجب للّه عزّ وجل ولرسوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم عليّ ، وبلّغت

--> ( 1 ) استنام إليه : سكن . ( 2 ) عال لي النفس والولد والأهل : كفاهم معاشهم . ( 3 ) الحظوة ( بكسر الحاء المهملة وضمّها ) : المكانة والمنزلة - وفي المصدر : معالي الحق . ( 4 ) العنوة : القهر . ( 5 ) الفادح : الصعب المثقل . ( 6 ) بادر دمعة : الدمعة التي تبدر من غير اختيار . والزفرة : النفس الطويل . ولذع الحب قلبه : آلمه ، ولذعت النار الشيء : لفحته .